ليلى خليل
” تُنشر هذه المادة بالتعاون بين شبكة الصحفيين الكُرد السوريين (SKJN) ومجلة صور في برنامج تعاون ضمن مشروع “المرآة”، حول “حقوق الإنسان والحريات العامة
“.

يعتبر العمل أحد أهم سلوكيات الإنسان، وتندرج تحت مسمى العمل جميع الانشطة الحيوية التي تمكنه من تدبر معيشته والبقاء على قيد الحياة، اختلف شكل العمل عبر العصور، وتنوعت الأساليب التي يصرف بها الإنسان طاقته الحيوية لقاء أجر، لكن تبقى تلك العلاقة بين العامل ورب العمل علاقة معقدة حتى في ظل التطورات الحديثة وحقوق الإنسان والحرية المزعومة، والمطالبات بأجور عادلة وساعات عمل مناسبة وإجازات، تنطوي هذه العلاقة على نوع من الاستعباد وخاصة في الدول النامية مثل سوريا.

الشكل العام للعمل في سوريا

يعاني العاملون في القطاعين العام والخاص من إجحاف كبير، وإنكار لحقوقهم واستغلالهم لإنجاز الأعمال دون مقابل يذكر، تتعدد الأسباب التي تجعل من العمل في سوريا عبئاً وحالة من العبودية الحديثة، منها ما هو سياسي ومنها اقتصادي وقد يكون في بعض الأحيان اجتماعياً.

قديماً كانت العبودية واضحة، امتلاك إنسان لإنسان آخر واستغلال قوته لإنجاز أعماله، أما اليوم فالعبودية غير مرئية، مبطنة ومغلفة بمجموعة من القوانين، حيث يبدو ظاهرياً أن الأفراد يمتلكون الرغبة بالعمل ويحصلون عليه بكامل إرادتهم بعد أن يكونوا قد حصلوا على شهادة تعليمية أو تعلموا مهنة معينة، لكن ما يحدث هو أنهم غالباً ما يمارسون مهناً لا يرغبون بها أو لا علاقة لها بمجال دراستهم، بالإضافة إلى أن الجهد الذي يبذلونه لا قيمة فعلية له إن كان من الناحية المادية أو من ناحية تطورهم وارتقائهم بالسلم الوظيفي، فقوتهم الجسدية والفكرية تباع بشكل أو بآخر، فهم لا يتقاضون أجر عملهم ولا يبادل إنتاجهم بما يستحقون، فإن تخسر من يومك ثمان أو عشر ساعات مقابل رواتب حكومية تبلغ في أقصى تقدير ثلاثمائة ألف ليرة سورية، أو ما يقارب المليون إن كنت تعمل في شركة خاصة، يصح تسمية ذلك عبودية حتى وإن شعرنا بأن التسمية مجحفة وتنتقص من إنسانيتنا لكن الواقع يثبت هذا، فالوقت والعمل المنجز لا يساوي الأجور التي لا يمكن لها أن تشتري أقل احتياجات الفرد ليبقى على قيد الحياة.

هل حقوقنا في العمل منتهكة؟

جاء في البند الأول من المادة (٢٣) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكل شخص حق العمل، وحرية اختيار العمل، وفي شروط عمل عادلة ومرضية، وحق الحماية من البطالة”.

يمتلك الإنسان نزعة أصيلة ليكون حراً قادراً على إدارة حياته ووقته وتنظيم يومه بما يخدم حاجاته، هذه النزعة بدأت بالتلاشي منذ زمن والأسباب وراء ذلك مختلفة، يمكننا اعتبار الحالة الاقتصادية من أبرزها، فالاستقلال المادي والأجور العادلة تضمن حياة حرة، ونظام العمل في سوريا لا يمكنه تحقيق ذلك بأي شكل، فالمواطن السوري يعاني من قلة فرص العمل إن لم تكن معدومة، وإن وجدت فغالبيتها تفتقد للشروط المهنية ولا تراعي حقوق الإنسان، وهنا تتحول العلاقة بين العامل ومكان عمله لعلاقة مرضية، يحكمها الرفض وإحباط من قبل العامل والاستحواذ والاستغلال من قبل صاحب العمل على المقدرات الجسدية والفكرية لموظفيه مقابل أجور متدنية، وهنا تخلق تلك الحالة من الإهمال لأداء المهام الوظيفية وانتشار الفساد.

إن أخدنا حاجة المواطن السوري للعمل والإنتاج ومدى الحرية بتحقيق ذلك، سنجد أن النظام الاقتصادي سلبه هذه الحرية، وأدخله في حالة من الخضوع لأحكامه وطبيعته المبهمة، فهو نظام اقتصادي خارج التصنيف لا يمكن اعتباره اشتراكياً ولا رأسمالياً، نظام يعتمد تبديد الثروات والاحتكار، واستعباد الموظفين والعمال، تعمل معظم مؤسساته بطرق لا قانونية، حتى الحصول على وظيفة لا يرتكز على أسس مهنية بل يعتمد الرشاوى والمحسوبيات، وفي هذه الحالة لا يمتلك المواطن السوري حق اختياره لعمله أو حصوله على أجر عادل، وليس هناك من مؤسسات أو جمعيات تحميه أو تدعمه إن عانى من البطالة.

فيما ينص البند الثاني من إعلان حقوق الأنسان على حق الأفراد بالأجر المتساوي: “لجميع الأفراد دون أي تمييز الحق في أجر متساو على العمل المتساوي”. وفي حال حصول الفرد على عمل لن ينجو من إجحاف الأجور، لا يتوازى أجور العاملين في مهنة واحدة في سوريا وهذا يتفاقم في حال اختلفت المهن، ليس هناك قانون تُحدد الأجور على أساسه، ففي القطاع العام يتم تحديد الأجور وفق سياسات حكومية غير مفهومة، ويحاكي القطاع الخاص العام في طريقته بوضع الأجور، خاصة مع التداخل الحاصل بينهما، وسيطرة العام على الخاص.

العبودية الحديثة

تعرف العبودية الحديثة بأنها مجموعة الممارسات التي تؤدي لاستغلال البشر، ويشار إلى أن أشكال العبودية اليوم مختلفة عما كانت سابقاً وتتمثل بالعمل القسري، وعبودية الديون والعمل الإجباري وغيرها، وهي استغلال للأشخاص المستضعفين لتحقيق مكاسب مادية، والمشكلة الرئيسية في العبودية المعاصرة أنها غير واضحة، فالأفراد يبدون أحرار من الناحية القانونية ولكنهم مستعبدين في أماكن عملهم، فعدم قدرة الفرد على اختيار مهنته الخاصة أو إيجاد عمل والحصول على أجر يكافئ ما يقدمه من عمل ينطبق على ذلك اسم عبودية، خاصة مع غياب أي تنظيم للعمل أو الالتزام بقوانين تضمن حقوق العاملين، فعقود العمل إجراءات شكلية لا تضمن للموظف او العامل أي حق بل على عكس ذلك هي تخضعه لأحكام تزيد من استغلاله وعبوديته.ولا يخفى أهمية هذا الاستعباد للمواطنين وتحويلهم إلى أفراد خاضعين للسلطة السياسية وممارساتها، فمن المفيد للسلطة السياسية إلهاء المواطنين بتدبر معيشتهم، وبذات الوقت العبودية هي أسلوب مفيد لهذه السلطة للبقاء نظراً لقدرتها السيطرة على النظام الاقتصادي وجني الأرباح على حساب العاملين، خاصة مع تداعيات الحرب والعقوبات وضعف الانتاج المحلي، أصبحت أهمية اليد العاملة مرتبطة بما تقدمه من خدمات لمصلحة هذه السلطة، اليوم وفي سوريا تحديداً أصبحنا نسعى نحو عبوديتنا، فالعامل هو من يذهب لصاحب العمل ويتقدم للوظائف رغم معرفته بأن شروط العمل لن تكون منصفة، وكأننا تحولنا إلى بشر يطلبون عبوديتهم دون إرادتنا، وإضافة لذلك تعتمد معظم الشركات ساعات عمل إضافية مقابل زيادة ضئيلة، ونظراً لحاجة العاملين يضطر معظمهم لزيادة ساعات عملهم لتصل أحياناً لاثنتي عشر ساعة، وهذا يعني إهدار الحياة بأكملها يوماً بعد يوم، مقابل ما يبقيهم على قيد الحياة.

By admin-z